"التطبيع"

 

1.   مصطلح "التطبيع" كما جرت العادة من استعماله في الآونة الأخيرة، يحمل معاني كثيرة متباينة ومتشابكة، واكتسب من المدلولات العاطفية ما جعله يثير الحساسية بشكل يخلق ضبابية حول فهمه فهماً دقيقاً، وفهم المعاني القريبة منه، حتى أصبح المصطلح متشابهاً في استعمالاته، وحاجباً للمعنى بدلاً من أن يكون أداة دقيقة للتعبير عنه

2.    بالنسبة للعلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، يعني التطبيع قيام هذه الدول أو مؤسساتها أو أشخاصها في تنفيذ مشاريع تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية، في غياب استتباب السلام العادل، وذلك إخلالاً بالموقف السياسي التاريخي لتلك الدول والقائل بأن مقاطعة الدول العربية لإسرائيل يجب أن تستمر حتى يتحقق ذلك السلام العادل، بل وكوسيلة ضغط لتحقيقه. والتطبيع في هذه الحالة أصبح يعني ليس فقط السماح بتطوير علاقات طبيعية بين المعتدي والمعتدَى عليه في غياب العدالة، أي في وضع غير طبيعي، بل والسماح أيضاً بالأضرار في تلك الأداة التي هي إحدى أدوات تحقيق تلك العدالة المنشودة

 

3.   يختلف الأمر "بطبيعة الحال" بالنسبة للشعب الفلسطيني ومؤسساته وأشخاصه المتواجدين على أرض فلسطين، سواء أولئك منهم الذين بقوا داخل ما أصبح دولة إسرائيل، أو أولئك الذين يتواجدون في مناطق السلطة (الضفة الغربية وغزة) أو في مدينة القدس التي تم ضمها عام 1967، حيث أن وجود المؤسسة الإسرائيلية بشكل أو آخر في كافة هذه المناطق قسرياً فرض حقائق ووقائع بأشكال مختلفة عبر الأزمنة والمراحل المختلفة كان لا بد من التعامل معها بأساليب وأشكال مختلفة أيضاً من أجل الحفاظ على البقاء وتوفير أسباب الصمود على الأرض

 

4.   يتضح مما سبق أنه بينما يمكن القول أن القاسم المشترك لكافة أشكال التعاطي مع المؤسسة الإسرائيلية من قبل فئات الشعب الفلسطيني مهما اختلفت كان ضيق الهامش المتوفر لمقاطعة إسرائيل وأجهزتها وأنظمتها وقوانينها وتعليماتها، فان العنصر المميز بينها جميعاً من جهة وبين الوضع لدى الدول والشعوب العربية غير الواقعة تحت السيطرة المباشرة الإسرائيلية هو توفر هذا الهامش لدى تلك الدول والشعوب والتي لم تضطر إلى التعاطي مع المؤسسة الإسرائيلية من أجل الصمود أو التطور

 

5.   فلقد اضطر الشعب الفلسطيني مثلاً داخل إسرائيل عبر خمسين عاماً للانخراط في أجهزة الدولة إلى حد ما. ولا يمكن اعتبار هذا الانخراط القسري تطبيعاً، وإنما جاء كتطور ضروري من أجل تحقيق مصلحة البقاء لهذا الجزء من الشعب، الذي لم يمكن له التنفس إلا من خلال الأجهزة الرئوية للمؤسسة الإسرائيلية، اقتصادياً وسياسياً

 

6.   أما في مناطق الضفة وغزة، والتي تقع بعضها الآن تحت سيطرة السلطة النسبية، فلقد كانت هذه المناطق منذ عام 1967 وحتى العام 1993، أي حتى قيام السلطة، أيضاً منخرطة وإلى حد كبير في أجهزة الدولة الإسرائيلية المحتلة، وكان هامش المقاطعة لأبناء الشعب الفلسطيني في هذه المناطق من فلسطين أيضاً محدوداً، وكان الانخراط حاجة قسرية طال الجوانب الحياتية المختلفة، الاقتصادية منها والمدنية

 

7.   اعتمد الفلسطينيون في الضفة والقطاع في تلك الفترة في أكثر من 90% من استهلاكهم للخدمات والمنتجات على إسرائيل، وكذلك في مداخيلهم، لكن هذه الشبكة من العلاقات المتنفذة إن تميزت بشيء فلقد تميزت بكونها شبكة تم تسخيرها بشكل محكم لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، وذلك على حساب الاقتصاد الفلسطيني الذي منع من تطوير ذاته بشكل يخدم حاجة المجتمع الفلسطيني كمجتمع مستقل، بالرغم من أن المردود في المجتمع الفلسطيني كان هو زيادة معدّل دخل الفرد في الفترة نفسها، أكان الفرد موضع البحث عاملاً أو تاجراً أو وكيلاً لشركة إسرائيلية

 

8.   عند قيام السلطة الفلسطينية عام 1993 وذلك نتيجة المفاوضات وعملية السلام، حاولت هذه السلطة جاهدة تغيير معادلة الاعتماد غير المتكافئ، وذلك في بعض المجالات الممكنة والمفيدة، وهدفت السلطة لإعادة تصميم هذه الشبكة من العلاقات بشكل أكثر إنصافاً للشعب الفلسطيني، لكن السلطة لم تنطلق من نقطة قرار لمقاطعة إسرائيل أو لتحطيم شبكة العلاقات معها من حيث المبدأ، أكان ذلك لأسباب أو لضرورات جغرافية وديموغرافية واقتصادية. بل هي تحرّت بأن تعيد تصميم معادلة شبكة العلاقات بشكل يوفّر ولأول مرة الفرصة للمجتمع الفلسطيني لأن يتطور ككتلة اقتصادية متميزة ومتجانسة، تخدم أهدافه السياسية الجماعية، بدلاً من خدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية لمجتمع آخر، هو المجتمع الإسرائيلي

 

9.   نستنتج مما سبق أن ضرورات التحليل الموضوعي تتطلب إبراز محورين أساسيين للبحث، أحدهما التمييز بين شبكة العلاقات ما بين الدول العربية وإسرائيل من جهة، وشبكة العلاقات ما بين فئات الشعب الفلسطيني المتواجدة على أرض فلسطين وإسرائيل من جهة أخرى، مع ما يتبع هذا التمييز من ضرورات في استعمال مقاييس ومصطلحات وصفية متمايزة. وأما المحور الثاني، فهو التمييز في شبكة العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ما بين تلك التي تخدم المجتمع/الاقتصاد الإسرائيلي على حساب نظيره الفلسطيني (مع الاعتراف بزيادة دخل الأفراد في المجتمع الأخير، وإن كان بدرجات متفاوتة)، وتلك العلاقات التي تخدم المجتمع/الاقتصاد الفلسطيني (مع الإدراك بإمكانية رفع مستوى معيشة الفرد كنتيجة لرفع فعالية الاقتصاد الجماعي الذي ينتمي إليه ذلك الفرد)

 

10.     بالنسبة للمحور الأول، فكما سبق وقيل فإن استعمال مصطلح "التطبيع" كوصف للعلاقات بين إسرائيل وجاراتها العرب يختلف نوعياً عنه كوصف للعلاقات بين إسرائيل وفئات أو أفراد الشعب الفلسطيني المتواجد على أرض فلسطين. أما بالنسبة للمحور الثاني فمع أن مصطلح "التطبيع" لا يبدو ملائماً في وصف العلاقات القسرية بدءاً، فجدير بنا أن نبرز بعض الملاحظات المتعلقة بالتمييز بين المردود الفردي للعلاقة، أية كانت، والمردود الجماعي لتلك العلاقة أو لغيرها. وسوف أخص بالذكر هنا نموذجين، هما العلم من جهة واستهلاك البضائع والمنتجات الإسرائيلية من جهة أخرى، حيث أن من الجلّي أن أحدهما أكثر عرضة للتساؤل من الناحية الوطنية من الآخر، حتى ولو لم يكن مصطلح "التطبيع" ملائماً في وصف كلاهما

 

11.     من الواضح أن وكيل المبيعات لمنتج إسرائيلي (في الصناعة النباتية مثلاً) إنما يحقق مصلحة فردية (أي لنفسه) بالأساس، خاصة عندما تتوفر الإمكانية، ولو استراتيجياً، لتصنيع هذه المنتجات محلياً، كما أن من الواضح أن المصلحة الجماعية تكمن، عندما تتوفر الإمكانية الإستراتيجية لذلك، تحديداً في تطوير القدرة على هذا التصنيع المحلي وفي المقابل، فان من الواضح أيضاً أن الباحث العلمي الفلسطيني في سياق تعاونه البحثي مع نظيره الإسرائيلي في مجال تحديد عناصر الإنتاج (كالبذور مثلاً في الصناعة النباتية)، إنما يساهم بالأساس، ليس في تحقيق الدخل الفردي أو المصلحة الذاتية فحسب، وإنما في العملية الإستراتيجية الهادفة إلى تطوير قدرة مجتمعه على التصنيع في هذا المجال. فالعلم الذي ينهله هذا الباحث يرشح منه لزملائه ولطلابه ومجتمعه ويرفع من المستوى والاستعداد العلمي البحثي الجماعي، والذي هو من باب المصلحة العامة. وأذكر هنا بأننا نتكلم بالأساس عن حلقة علاقات قسرية بالأساس

 

12.     يُستنتج مما سبق أننا إذا أردنا التمييز بين نوعين من الاتصالات في شبكة العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، لتحديد أيهما أكثر منفعة للجانب الفلسطيني، فإننا نجد بسهولة أن الاتصالات القائمة على مستوى التعاون البحثي أو العلمي هي الاتصالات الأكثر فائدة للمصلحة العامة، وأما الاتصالات الأخرى، فأنواعها وفوائدها ومنافعها ومضارها متفاوتة، وأترك للقارئ مجال تمحيص كل واحدة منها

 

13.     تأسيساً على ما سبق، فإنه من باب المفارقة الملفتة للنظر تعرض الاتصالات الإسرائيلية الفلسطينية العلمية للنقد بمبرر التطبيع، بينما قد تكون هي الوحيدة، من بين كافة الاتصالات والعلاقات الأخرى، أكان في ظل الاحتلال عموماً، أو في ظل العملية السلمية تحديداً، ذات فائدة على مستوى المصلحة العامة

 

14.     بطبيعة الحال، حتى لو أردنا تصور وضع فلسطيني يمكن فيه تنفيذ المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية ما أمكن التي لها بدائل فلسطينية المنشأ والتصنيع، فإننا مع ذلك قد نرى أن المصلحة تقتضي عدم المقاطعة للاتصالات العلمية والبحثية، بل تكثيفها، تحديداً لكي نرفع من مستوى القدرة على توفير البدائل وتنويعها وتعددها

 

15.     بالرغم مما سبق وقيل، فإن الحصافة تستوجب الاحتراز من الوقوع بالخطأ في كثير من المشاريع البحثية المشتركة الممكنة، وخاصة تلك منها الممولة من مصادر أجنبية، كأن يكون الموضوع قيد البحث غير مفيد فلسطينياً، أو أن يكون سطحياً وليس جوهرياً، أو أن يكون بغالبه تظاهرياً أو إعلامياً، أو أن يكون وسيلة لبعثرة الأموال على السفريات والمؤتمرات في الفنادق السياحية، وغيره من الأمور، ولتفادي هذه الأخطاء فإن ثمة مبادئ يمكن الاسترشاد بها، وهي المشاركة الكاملة في تصميم الموضوع المطلوب بحثه، إن لم يكن فلسطيني المنشأ كلياً، والمشاركة المتساوية الكاملة في ترشيد إدارته والتحكم في مصاريفه، والشفافية الكاملة لكل جزء أو مرحلة أو جانب من جوانبه

 

16.     آخذاً هذه المبادئ وغيرها في عين الاعتبار، دأبت جامعة القدس في السنوات الأخيرة على تطوير وترشيد شبكة من العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الإسرائيلية، نجحت خلالها في تحقيق مجموعة من المصالح العامة، وفي تطوير بنيتها التحتية العلمية، البشرية منها والفنية، وهي تفعل ذلك ليس من باب التطبيع، كما سبق وتم تفسيره، ولا أيضاً من باب جني الأرباح الفردية أو الشخصية، بل من باب محاولة تسخير واقع غير مرغوب أصلاً (شبكة العلاقات الاحتلالية القسرية، وشبكة العلاقات التجارية ذات الفوائد الفردية) لتحقيق مصلحة عامة

 

17.     بقي القول أن هناك الكثيرين ممَن يرون في التعاون الأكاديمي هذا ضرباً من ضروب التطبيع، بمعنى أنه يجب أن يكون مرهوناً بتحقيق السلام العادل، أو مرهوناً بتحقيق الحريات الكاملة لمؤسسة التعليم العالي الفلسطينية، كما أن هنالك مَن يرى في هذا التعاون مكسباً إسرائيلياً، أو جائزة، لا يجب إعطاؤها للجانب الإسرائيلي على طبق من فضة، بل يمكن إعطاؤها له كثمرة لقيامه على التنازل السياسي، أو كمقابل لإعادة الحق إلى أهله

إنني شخصياً أعتقد بضحالة منطق هذا الموقف، للأسباب المختلفة التي سبق وذكرتها، وغيرها أيضاً، حيث أن إسقاط مصطلح له معانيه المحدودة في إطار ما على إطار آخر يفقده مدلولاته، السياسية وغيرها. ولا تزول هذه الأسباب برأيي، إلا في حالة واحدة فقط، وهي الحالة التي يتخذ فيها المواطن الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1967 موقف المقاطعة الكاملة، بدءاً بالعمالة الفلسطينية، ومروراً بالمصالح التجارية المشتركة (الشركات وغيرها) والتعاون الأمني، حتى نصل العلم، وهي آخر قناة يجب المطالبة بقطعها، ولا يُعقل أن تكون الأولى، في ظل الإبقاء على كافة القنوات الأخرى، بما فيها قناة بطاقات الشخصيات المهمة، والكازينو، وغيره

 

18.     لم أورد فيما سبق أي موقف سياسي، أي تجاه المقاطعة أو الحرب أو السلم أو غيرها، بل أسست كلامي على ما هو قائم فعلاً، وسقت البرهان ضمن ما هو قائم على أفضلية التعاون العلمي البحثي الإسرائيلي/الفلسطيني على التعاون في المجالات الأخرى، حيث أنه بما أن الأخيرة قائمة، فبالأحرى أن تكون الأولى كذلك